الشيخ محمد آصف المحسني

217

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

حتّى تتيقن بذلك « 1 » . ونقاوة الكلام أنّ حديث الغدير المتجاوز حدّ التواتر بماله من القرائن الداخلية والخارجية نصّ صريح في خلافة أمير المؤمنين ( ع ) بعد النبيّ ، ولا يقبل التأويل بوجه ، ولا سيّما أنّ كلّ ذلك ممّا استخرجناه من كتب قوم لا يعقل الجعل والافتعال في حقّهم في هذه المسألة فإنّهم ينكرونها أشد الإنكار . وعلى كلّ ، لا يحتمل واحد من المئة إرادة النصرة والمحبّة . نعم ، تصدّوا لمنع دلالة الحديث على مدلوله من جهات أخرى فقالوا معترضين : أولًا : أنّ أحداً من أئمة اللغة لم يذكر أنّ مفعلًا يأتي بمعنى أفعل . وثانياً : أنّ الاستعمال أيضاً يمنع ذلك ؛ إذ يقال : هو أولى من كذا دون هو مولى من كذا ؛ فيفهم منه أنهما متغاير ان لا مترادفان . وثالثاً : سلّمنا أنّه أولى ، لكن لا نسلّم أنّ المراد أنّه الأولى بالإمامة ، بل بالاتباع والقرب منه كقوله تعالى : ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ) « 2 » . بل هذا الاحتمال هو الصحيح ؛ إذ هو الذي فهمه أبو بكر وعمر ، فإنّهما لمّا سمعا قوله ( ص ) قالا لعلي : أمسيت يا بن أبي طالب مولى كلّ مؤمن ومؤمنة . أخرجه الدارقطني « 3 » . ورابعاً : سلّمنا أنّه أولى بالإمامة ، فالمراد المآل ، وإلّا كان هو الإمام مع وجود رسول الله ( ص ) . ولا تعرّض فيه لوقت المآل ، فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له ، فلا ينافي حينئذٍ تقديم الخلفاء الثلاثة عليه . وخامساً : كيف يكون ذلك نصّاً على إمامته ، ولم يحتجّ به هو ولا غيره وقت الحاجة ، وإنّما احتجّ به عليّ في خلافته . هذه هي كلماتهم الدائرة على هدم صراحة هذه الرواية في خلافة عليّ ( ع ) ولكن كلمة الله هي العليا ، والباطل زاهق يذهب جفاء . نقول : أمّا الشبهة الأولى فهي من القول الزور الباطل ، وإن دلّت على شي فإنّما تدلّ على جهل قائلها أو عناده ، فإنّ الذين نصّوا على مجيء ذلك في قوله تعالى : ( مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ ) « 4 » من الصحابة والتابعين والمفسّرين واللغويين والمحدّثين والأديبين والمتكلّمين

--> ( 1 ) - الغدير 1 / 270 - 283 ، ولاحظ قرائن أخرى ، منها فهم جملة من الحاضرين في ذلك المشهد الإمامة من كلامه ( ص ) بل وتصريح نفس النبيّ ( ص ) بذلك لاحظ الغدير 1 / 386 . ( 2 ) - آل عمران 3 / 68 . ( 3 ) - ذكره وتالييه ابن حجر في صواعقه / 42 ، بعد الوجهين السابقين اللذين ذكرهما جمع من العامّة . ( 4 ) - الحديد 57 / 15 .